تتعامل معظم العائلات مع موضوع التخطيط للتركات بسؤال واحد في الحسبان: ماذا يحدث لثروتنا بعد وفاتنا؟ تُصاغ الوصايا، وتُؤسَّس الصناديق الائتمانيّة، وتوضع أطر الخلافة. غير أنّ غالباً ما يُتغاضى عن أحد أكثر السيناريوهات أهميّة في إدارة الثروات العائليّة: ماذا يحدث إذا أصبح أحد أفراد العائلة الرئيسيّين عاجزاً خلال حياته؟
قد يحدث العجز فجأة أو يتطوّر تدريجيّاً، كحادث خطير أو مرض غير مُتوقّع أو تراجع معرفي تدريجي، ممّا قد يجعل العائلة غير قادرة على الوصول إلى أصولها الحيويّة أو اتّخاذ قرارات استثماريّة، ما قد يُعرّضها بالتالي لنزاعات قانونيّة. وبخلاف الوفاة، يُفضي العجز إلى مرحلة مطوّلة من عدم اليقين قد تتجمّد خلالها الأصول وتتوقّف الأعمال وتتعرّض العلاقات العائليّة لاختبارات صعبة.
وبالنسبة إلى العائلات أصحاب الثروات الكبيرة، تتضاعف تداعيات عدم التخطيط لحالات العجز، إذ تعتمد الهيكليّات التي تحمي إرث العائلة وتنمّيه على الرقابة الفعالة وحسن توقيت القرارات ووضوح الصلاحيّات. وفي غياب التخطيط المناسب، قد يُخلّ العجز بهذه الركائز الثلاث كلّها.
لماذا يختلف التخطيط لحالات العجز؟
حين يتوفّى شخص ما، تنشط الآليّات القانونيّة: تُقرأ الوصية ويُعيَّن المنفّذين وتبدأ إجراءات حصر الإرث. ورغم أنّ هذه العمليّة قد تطول أحياناً، فإنّها تسير وفق مسار راسخ. أمّا العجز، فلا يقدّم هذا الوضوح.
إن فقد أحد أفراد العائلة القدرة على إدارة شؤونه في غياب الوثائق القانونيّة، فقد تضطرّ العائلة إلى اللّجوء إلى المحكمة للحصول على الوصاية أو القوامة. قد تكون هذه العمليّة مكلفة ومستهلكة للوقت وتنطوي على قدر كبير من التدخل في الشؤون الخاصة، كما قد تعيّن المحاكم أشخاصاً لم تكن العائلة لتختارهم، وكثيراً ما تفتقر الترتيبات الناجمة عن ذلك إلى المرونة التي تستلزمها الهيكليّات المُعقدة للثروات.
بالإضافة إلى ذلك، يتباين تعريف العجز من ولاية قضائيّة إلى أخرى، فالتوكيل المُبرم في دولة ما قد لا يحظى بالاعتراف في دولة أخرى تمتلك فيها العائلة أصول. وبالنسبة إلى العائلات ذات التنقل الدولي، يخلق ذلك طبقات من التعقيدات القانونيّة التي لا بد من معالجتها استباقيّاً.

الأدوات الرئيسيّة للتخطيط لحالات العجز
يقوم التخطيط الفعّال لحالات العجز على استحداث الأدوات القانونيّة المناسبة في حين يتمتّع الشخص بكامل قدرته العقليّة. ويبرز في هذا الإطار عدد من الأدوات المحوريّة.
التوكيل الدائم أو المستمرّ
يتيح التوكيل لشخص موثوق التصرّف نيابةً عن الشخص الذي منحه إيّاه. وفيما يخصّ التخطيط لحالات العجز، يكمن التمييز الأساسي بين التوكيل العادي الذي تنتهي صلاحيّته عند وقوع العجز والتفويض الدائم أو المستمرّ الذي يظلّ ساري المفعول. وفي كثير من الولايات القضائيّة، يجب تسجيل هذه الوثائق لدى السلطات المُختصّة قبل تفعيلها، ما يضفي عليها طابعاً رسميّاً لا ينبغي تركه إلى اللّحظات الأخيرة.
ومن المهمّ أن يشمل التوكيل الشؤون الماليّة وقرارات الرعاية الشخصيّة معاً، إذ كثيراً ما يُعالَج كلٌ منهما بموجب القانون.
هيكليّات الصناديق الائتمانيّة
تُعدّ الصناديق الائتمانيّة من أكثر الآليّات فاعليّة في إدارة الثروات خلال فترات العجز، إذ تخضع الأصول المُحتفظ بها داخل الصندوق الائتماني لإدارة الأمناء لا المستفيد بشخصه، ممّا يتيح للصندوق الائتماني المُهيكَل جيداً مواصلة عمله بسلاسة حتّى في حال إصابة الواهب أو أحد المستفيدين الرئيسيّين بالعجز. وينبغي أن يتضمن صكّ الصندوق الائتماني أحكاماً واضحةً تُعالج ما يترتّب على إصابة الواهب أو الحارس بالعجز، بما في ذلك كيفيّة تعيين الحراس أو المستشارين البديلين.
توجيهات الرعاية الصحيّة المُسبقة
رغم أنّ توجيهات الرعاية الصحيّة المُسبقة التي يُشار إليها أحياناً بالوصيّة الحياتيّة هي أداة ذات طابع شخصي في المقام الأوّل لا مالي، تضمن الأخيرة أن تعكس قرارات العلاج الطبي رغبات الشخص المعني. وبالنسبة إلى العائلات التي تدير ثروات كبيرة، تترابط قرارات الرعاية الصحيّة والتخطيط المالي ترابطاً وثيقاً، إذ تنطوي الرعاية الطبيّة المُطوّلة وترتيبات الإقامة والقرارات المتعلقة بنهاية الحياة على تداعيات ماليّة جوهريّة.
البُعد العابر للحدود
الأدوات المذكورة أعلاه، من التوكيلات وصناديق الائتمان وتوجيهات الرعاية الصحيّة، لا تكون فعّالة إلّا بقدر ما تعترف بها الولايات القضائيّة المعنيّة. وبالنسبة إلى العائلات التي تمتلك أصولاً أو مساكناً أو مصالحاً تجاريّةً في دول متعدّدة، يخلق ذلك تعقيدات كبيرة. على سبيل المثال، التوكيل الممنوح وفق قوانين البحرين قد لا يحظى بقبول مصرف في سويسرا أو مسجّل عقاري في المملكة المتّحدة، فلكلّ ولاية قضائية قواعدها الخاصة التي تحكم الاعتراف بالوثائق القانونيّة الأجنبيّة، وتشترط بعضها تنفيذ وثائق محليّة.
لذا، ينبغي للعائلات النظر في إعداد وثائق موازية في كلّ ولاية قضائيّة تحتفظ فيها بأصول ذات قيمة، كما أنّ التنسيق بين المستشارين القانونيّين عبر الحدود أساسيّ لضمان اتّساق هذه الوثائق وتفادي أيّ تعارض في الصلاحيّات.
أمّا هيكليّات الصناديق الائتمانيّة المُدارة في ولايات قضائيّة خارجيّة كجيرسي وغيرنزي وجزر كايمان، فقد تتيح استمراريّة أكبر، إذ تستمد سلطة الأمين من صكّ الصندوق الائتماني لا من القدرة الشخصيّة للواهب. مع ذلك، حتى في هذه الحالات، ينبغي مراجعة وثائق الصندوق الائتماني للتحقّق من أنّ سيناريوهات العجز قد عولجت بصورة كافية.
منظور استمراريّة الأعمال
تمتلك الكثير من العائلات الثريّة حصصاً كبيرةً في أعمال تجاريّة قائمة، وقد يوقّف العجز الذي يُصيب المؤسس أو الرئيس أو أي صاحب قرار رئيسي العمليّات التجاريّة بأكملها: قد تتأخر قرارات مجلس الإدارة وقد تصبح التفويضات المصرفيّة غير قابلة للتنفيذ وقد تبقى العقود الأساسيّة من دون توقيع.
لذا، ينبغي أن تتضمّن وثائق الحوكمة المؤسّسيّة، بما فيها اتّفاقيّات المساهمين والنظام الأساسي للشركة، أحكاماً تُعالج حالات عجز الأفراد الرئيسيّين. كما يجب تحديد آليّات الخلافة لأدوار مجلس الإدارة وصلاحيّات التوقيع وحقوق التصويت مسبقاً، لا الارتجال في وضعها تحت الضغط.
وتكون التداعيات أشدّ حدّةً بالنسبة إلى العائلات التي تعتمد هيكليّات الشركات القابضة لإدارة محافظها الاستثماريّة المُتنوّعة، إذ يكفي أن يُصاب المفوّض الوحيد بالتوقيع في شركة قابضة بالعجز حتى تتجمّد عمليّاتها بالكامل في انتظار تدخّل المحكمة.
بدء الحوار
ربما أكبر عائق أمام التخطيط لحالات العجز هو ثقافي، ففي كثير من العائلات، يبدو الحديث عن احتمال فقدان أحد الوالدين أو رب العائلة القدرة على إدارة شؤونه أمراً مزعجاً بل وغير لائق. غير أنّ تجنّب هذا الحوار قد يجعل العائلة أكثر هشاشةً بكثير ممّا قد يُسبّبه أيّ نقاش صريح.
النهج الأكثر فعاليّة هو تأطير التخطيط لحالات العجز باعتباره امتداداً طبيعيّاً لخطة التركة القائمة لدى العائلة، وهي الخطوة الطبيعيّة التالية، لا تمريناً مستقلاً أو مثيراً للقلق. فحين يُدمَج إلى جانب الوصايا والصناديق الائتمانيّة وأطر الحوكمة العائليّة، يصبح التخطيط لحالات العجز جزءاً من إستراتيجيّة مُتماسكة لحماية ثروة العائلة ورفاهيّتها في مختلف السيناريوهات.
في The Family Office، نعمل مع العائلات لضمان أن تكون هيكليّات ثرواتهم قويّة في كلّ مرحلة من مراحل الحياة، ونتعاون مع شركاء موثوقين حين تستلزم الحالة تنفيذاً متخصصاً. يُعدّ التخطيط لحالات العجز جزءاً لا يتجزأ من هذا الالتزام. وإن كانت خطة تركتكم لا تعالج هذا السيناريو بعد، فنحن ندعوكم إلى التحدث مع مدير العلاقات المُخصّص لكم لاستكشاف الخطوات التي قد تكون مناسبة لظروف عائلتكم.
إخلاء المسؤولية
هذا المقال لأغراض إعلاميّة فحسب، ولا يُعدّ استشارةً قانونيّةً أو ماليّة. ينبغي للعائلات استشارة مستشارين قانونيّين وماليّين مؤهلين في كلّ ولاية قضائيّة ذات صلة قبل اتّخاذ أيّ إجراءات تتعلق بالتخطيط لحالات العجز.
