ورغم أنّ كلاً من الصكوك والائتمان الخاص يمكن أن يؤدّي دوراً في المحافظ الاستثمارية الهادفة إلى تحقيق الدخل، فإنهما يمثّلان نهجين مختلفين بشكل جوهري، ويُعد فهم هذه الاختلافات أساسيّاً عند تقييم كيفيّة توافق كلّ منهما مع إستراتيجيّة استثماريّة أوسع.
يستعرض هذا المقال كيفيّة عمل الصكوك والائتمان الخاص وخصائص كل منهما وكيف يمكن أن يتكاملا ضمن محفظة استثماريّة منوّعة للمستثمرين في دول مجلس التعاون الخليجي.
النقاط الرئيسيّة
الصكوك هي شهادات استثمار متوافقة مع أحكام الشريعة الإسلاميّة ترتبط بأصول أو مشاريع أو أنشطة اقتصاديّة أساسيّة وتُحقّق عوائدها من خلال الهيكليّة التي تقوم عليها.
ينطوي الائتمان الخاص على تقديم تمويل مباشر للشركات من خلال ترتيبات تمويليّة خاصة، بما يتيح إمكانيّة تحقيق دخل مقابل تحمّل مستويات أعلى من مخاطر الائتمان والسيولة.
تقدّم الصكوك عموماً مستوى أعلى من السيولة وأطر تقييم ائتماني أكثر رسوخاً مقارنةً بالائتمان الخاص، في حين يقدّم الائتمان الخاص إمكانيّة تحقيق عوائد أعلى مع مراعاة مخاطر إضافيّة.
بالنسبة إلى المستثمرين في دول مجلس التعاون الخليجي، يعتمد الاختيار بين الصكوك والائتمان الخاص على أهداف المحفظة الاستثماريّة واحتياجات السيولة وأفق الاستثمار ومدى تحمّل المخاطر والاعتبارات المتعلقة بالالتزام بأحكام الشريعة الإسلاميّة.
ما هي الصكوك؟
الصك هو شهادة استثمار متوافقة مع أحكام الشريعة الإسلاميّة تمنح المستثمرين حصة في أصل أو مشروع أو نشاط اقتصادي أساسي. وبحسب هيكليّة الصك، قد يحصل المستثمرون على عوائد ناتجة عن مصادر مثل دخل التأجير أو الإيرادات المُرتبطة بالأصول أو الأرباح المتحققة من نشاط محدد.
غالباً ما تُقارن الصكوك بالسندات التقليديّة نظراً إلى أنّ كليهما قد يقدّم للمستثمرين دخلاً دوريّاً، إلّا أنّ المبادئ الأساسيّة التي يقوم عليها كلّ منهما تختلف. فتمثّل السندات التقليديّة علاقة إقراض، حيث يقدّم المستثمرون رأس المال مقابل دفعات فائدة. أما هيكليّات الصكوك، فتعتمد على مبادئ الشريعة الإسلاميّة، حيث ترتبط العوائد بحصص الملكيّة أو بالمشاركة في نشاط اقتصادي أساسي.
ورغم أنّ بعض الصكوك قد تحمل خصائص مشابهة لأدوات الدخل الثابت التقليديّة، فإنّ أسسها القانونيّة والهيكليّة تختلف عنها.
شهد سوق الصكوك توسّعاً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، فتجاوز حجم الصكوك القائمة عالميّاً تريليون دولار بنهاية عام 2025، مع استحواذ دول مجلس التعاون الخليجي على أحد أكبر الأسواق الإقليميّة.[1] وكانت المملكة العربيّة السعوديّة والإمارات العربيّة المتحدة من أبرز المساهمين في هذا النموّ، بدعم من إصدارات الجهات السياديّة وتطوير البنية التحتيّة ونموّ أسواق رأس المال.
وبالنسبة إلى المستثمرين، تبرز ثلاث خصائص رئيسيّة للصكوك.
ما هو الائتمان الخاص؟
يشير الائتمان الخاص إلى التمويل الذي تُقدّمه جهات الإقراض غير المصرفيّة مباشرةً إلى الشركات، عادةً من خلال صناديق استثمار متخصّصة. وعلى عكس السندات العامة التي تُصدر وتُتداول في الأسواق العامة، يجري التفاوض على استثمارات الائتمان الخاص بشكل مباشر بين الجهات المُقرضة والمقترضين.
يحقّق المستثمرون في صناديق الائتمان الخاص عوائدهم عادةً من خلال الدفعات التعاقديّة التي يسدّدها المقترضون، وتركّز الكثير من إستراتيجيّات الائتمان الخاص على القروض ذات أسعار الفائدة المتغيّرة، ما يعني أنّ العوائد قد تتغيّر مع تحركات أسعار الفائدة المرجعيّة.
شهد الائتمان الخاص نموّاً ملحوظاً خلال العقد الماضي مع بحث الشركات عن مصادر تمويل بديلة وسعي المستثمرين المؤسّسيّين إلى إيجاد فرص مدرّة للدخل ووسائل لتعزيز التنويع في المحافظ الاستثماريّة. وتجاوز حجم أصول الائتمان الخاص عالميّاً تريليوني دولار خلال السنوات الأخيرة.[2]
ومع ذلك، تفرض الخصائص التي تجعل الائتمان الخاص جذاباً للمستثمرين أيضاً اعتبارات إضافيّة يجب أخذها في الحسبان.
الزيادة في العوائد المتاحة من خلال الائتمان الخاص ليست علاوةً مضمونةً، بل تمثّل تعويضاً عن تحمّل مخاطر إضافيّة ينبغي للمستثمرين فهمها قبل تخصيص رأس المال.
الصكوك مقابل الائتمان الخاص: ما الفرق الجوهري؟
يكمن الفرق الأساسي بين الصكوك والائتمان الخاص في كيفيّة تحقيق العوائد وطبيعة المخاطر التي يتحمّلها المستثمرون.
كيف تقارَن العوائد والمخاطر؟
تتّسم الصكوك والائتمان الخاص بخصائص مختلفة من حيث المخاطر والعوائد، وذلك انعكاساً للهيكليّات المختلفة التي يقوم عليها كلّ نوع من الأصول.
قد تجذب الصكوك عالية الجودة المستثمرين الباحثين عن دخل مع تركيز أكبر على استقرار رأس المال وجودة الائتمان. ومع ذلك، تبقى الصكوك كغيرها من الاستثمارات عرضةً للمخاطر، بما في ذلك مخاطر ائتمان الجهة المُصدِرة وتحركات السوق والتغيّرات في ظروف السيولة.
يتيح الائتمان الخاص عموماً إمكانيّة تحقيق دخل أعلى من خلال تقديم التمويل للشركات التي قد لا تتمكّن من الوصول إلى قنوات الإقراض التقليديّة. وتعكس هذه الإمكانيّة لتحقيق عوائد إضافيّة تحمّل المستثمرين لمخاطر أكبر، بما في ذلك مخاطر ائتمان المقترض وانخفاض السيولة والاعتماد على قدرة مدير الاستثمار على تقييم الاستثمارات وإدارة المخاطر.
تُعدّ السيولة عاملاً مهماً عند مقارنة الفئتين، فقد تتيح الصكوك مرونةً أكبر من خلال الأسواق الثانويّة، رغم أنّ مستوى السيولة يختلف بحسب الجهة المُصدِرة والهيكليّة وظروف السوق. أما استثمارات الائتمان الخاص فتكون عادةً أقل سيولة وتتطلّب من المستثمرين الالتزام برأس المال لفترة أطول. لذلك، يُعدّ توافق مستوى سيولة الاستثمار مع الهدف من رأس المال والإطار الزمني المخصّص له عنصراً أساسيّاً في بناء المحافظ الاستثمارية.
كيف يمكن للصكوك والائتمان الخاص أن يتكاملا ضمن المحفظة الاستثمارية؟
بدلاً من النظر إلى الصكوك والائتمان الخاص كاستثمارات متنافسة، من المفيد أكثر النظر إلى الأدوار المختلفة التي قد يؤدّيها كلّ منهما ضمن محفظة استثمارية منوّعة.
قد تشكّل الصكوك جزءاً من مخصصات الدخل الدفاعيّة من خلال إتاحة التعرّض لأصول مدرّة للدخل مع تركيز أكبر على السيولة وجودة ائتمان الجهة المُصدِرة. ويمكن أن يتكامل الائتمان الخاص مع ذلك من خلال إتاحة الوصول إلى مصادر دخل بديلة وفرص لتنويع الاستثمارات بعيداً عن الأسواق العامة التقليديّة، مع تقبّل أفق استثماري أطول واعتبارات إضافيّة للمخاطر.
يعتمد التوازن المناسب بين الصكوك والائتمان الخاص على أهداف كل عائلة واحتياجاتها من السيولة وأفقها الاستثماري ومدى تحمّلها للمخاطر والاعتبارات المتعلقة بأحكام الشريعة الإسلاميّة، وقد يختار المستثمرون الذين يتمتّعون بأفق استثماري طويل وقدرة أكبر على تحمّل انعدام السيولة تخصيص نسبة أكبر لإستراتيجيّات الائتمان الخاص، في حين قد يولي المستثمرون الذين يعطون الأولويّة للسيولة والحفاظ على رأس المال أهميّة أكبر للصكوك ذات الجودة الائتمانيّة الأعلى.
لا توجد نسبة تخصيص واحدة تناسب جميع العائلات، فيعتمد النهج المناسب على الظروف الخاصة بكل عائلة وأهدافها طويلة الأجل.
الائتمان الخاص والتوافق مع أحكام الشريعة الإسلاميّة
تُصمَّم هيكليّات الصكوك وفق مبادئ الشريعة الإسلاميّة وعادةً ما تخضع للمراجعة والاعتماد من هيئات شرعيّة مختصّة. أما الائتمان الخاص التقليدي فلا يتوافق مع هذه المبادئ عندما يكون منظّماً كقرض مباشر قائم على الفائدة.
ومع ذلك، يمكن هيكلة الائتمان الخاص بطريقة متوافقة مع أحكام الشريعة الإسلاميّة من خلال هيكليّات تمويل بديلة، وينبغي على المستثمرين تقييم كلّ من الإستراتيجيّة الاستثماريّة وإطار الحوكمة الداعم لضمان التوافق مع هذه الأحكام.
كيف تتعامل The Family Office مع الاستثمار المدِرّ للدخل للعائلات في دول مجلس التعاون الخليجي؟
في The Family Office، نؤمن بأنّه ينبغي النظر إلى إستراتيجيّات الدخل ضمن إطار أهداف الثروة الأوسع لكلّ عائلة، وليس تقييمها بمعزل عن تلك الأهداف.
ويبدأ النهج المنضبط بفهم الهدف من رأس المال واحتياجات السيولة والأفق الاستثماري ومستوى المخاطر الذي تقبل كلّ عائلة تحمّله.
يمكن أن يؤدّي كلّ من الصكوك والائتمان الخاص دوراً في المحافظ الاستثماريّة الهادفة إلى تحقيق الدخل، إلّا أنّ التخصيص المناسب يعتمد على الظروف الخاصة بكلّ عائلة. ويتمثّل الهدف في بناء محافظ استثماريّة مرنة ومصمّمة لدعم الحفاظ على الثروة على المدى الطويل وتنويع الاستثمارات وتحقيق نموّ مستدام.
وبالنسبة إلى المستثمرين المؤهلين الباحثين عن فرص في الأسواق الخاصة، تتيح The Family Office إمكانيّة الوصول إلى إستراتيجيّات استثماريّة مؤسّسيّة، بما في ذلك صناديق الأسواق الخاصة المباشرة، بهدف إتاحة التعرّض لفرص استثماريّة كانت متاحةً تقليديّاً للمستثمرين المؤسّسيّين.
عندما يكون الالتزام بأحكام الشريعة الإسلاميّة مطلوباً، تُراجع الهيكليّات الاستثماريّة من خلال عمليّات الحوكمة الشرعيّة المناسبة لضمان توافقها مع المبادئ الإسلاميّة.
