في هذا السياق، انتقل الائتمان الخاص من الهامش إلى موقع أكثر مركزية. ما كان يُنظر إليه سابقاً كفئة متخصصة، أصبح اليوم مصدراً رئيسياً لتمويل الاقتصاد الحقيقي. وبالنسبة للمستثمرين الذين ينظرون إلى عام 2026، لم يعد الائتمان الخاص مجرد أداة لتوليد الدخل، بل يعكس تحولاً أعمق في كيفية تمويل الشركات.
في The Family Office، نرى في ذلك تحولاً هيكلياً، لا استجابة مؤقتة لظروف سوقية عابرة.
تراجع الدور التقليدي للبنوك
لطالما كانت البنوك المزوّد الرئيسي للتمويل الموجّه إلى الشركات المتوسطة. غير أن هذا الدور تغيّر تدريجياً.
فمنذ الأزمة المالية العالمية، خضعت البنوك لمتطلبات رأسمالية وتنظيمية أكثر صرامة. ورغم أنّ هذه الإجراءات عززت متانة النظام المصرفي، إلا أنها حدّت من شهية البنوك لبعض أنواع الإقراض المؤسسي، خصوصاً في قطاع الشركات المتوسطة حيث تكون القروض أقل نمطية وأكثر استهلاكاً لرأس المال.[2]
نتيجة لذلك، واجهت العديد من الشركات السليمة مالياً صعوبة أكبر في الحصول على التمويل عبر القنوات المصرفية التقليدية.
هنا برز دور الائتمان الخاص لسد هذه الفجوة. فبدلاً من منافسة البنوك مباشرة، تولّى المقرضون الخاصون مجالات لم تعد البنوك تركز عليها، مقدّمين حلول تمويل مصممة وفق احتياجات الشركات التي تبحث عن سرعة التنفيذ، وضوح الشروط، وشراكة طويلة الأمد.
ولا يبدو أن هذا التطور مؤقت. فمع استمرار القيود التنظيمية، أصبح المقرضون الخاصون جزءً دائماً من مشهد تمويل الشركات.
عوائد مدعومة بحماية هيكلية
من الأسباب الرئيسية التي دفعت الائتمان الخاص إلى الواجهة، طبيعة توليد الدخل وآليات حمايته.
تركّز معظم استراتيجيات الائتمان الخاص على القروض الممتازة المضمونة. وهذه القروض تحتل مرتبة متقدمة في هيكلية رأس مال الشركة، وتكون مدعومة بضمانات، ما يضع المقرض في مقدمة الجهات المستحقة في حال واجهت الشركة صعوبات مالية.
كما أنّ العديد من هذه القروض تكون بفائدة متغيرة، ما يعني أنّ العائد يتكيّف مع تغير أسعار الفائدة، وهو ما يخفف من حساسية الاستثمار لتقلبات المعدلات. ومع توقع تراجع تدريجي محدود في أسعار الفائدة مقارنة بالمستويات المرتفعة الأخيرة، يواصل الائتمان الخاص الاستفادة من علاوة عدم السيولة، إضافةً إلى كوبونات تعاقدية تبقى جذابة مقارنة بأسواق الدخل الثابت العامة.
وبحسب Morgan Stanley، تجاوزت الأصول المُدارة عالمياً في الائتمان الخاص 3 تريليون دولار في عام 2024، مقارنةً بنحو تريليون دولار قبل عقد من الزمن، مع توقع استمرار النمو خلال السنوات المقبلة.[3]
وقد أسهمت تركيبة الأولوية والضمانات والعائد المتغير في ترسيخ مكانة الائتمان الخاص كخيار مناسب للمستثمرين الباحثين عن عائد، من دون تحمّل كامل مستوى المخاطر المرتبط بالملكية في الأسهم.
المرونة في بيئة غير مستقرة
يوصف الائتمان الخاص غالباً بأنه أكثر مرونة، ليس لأنه يخلو من المخاطر، بل لطبيعة إدارة هذه المخاطر.
فعلى خلاف أسواق السندات العامة، يقوم الإقراض الخاص على علاقات مباشرة. وغالباً ما تتضمن اتفاقيات القروض شروطاً رقابية، وتقارير دورية، وتواصلاً مستمراً مع المقترضين، ما يمكّن المقرضين من رصد المؤشرات المبكرة لأي تحديات، والعمل مع فرق الإدارة لحماية القيمة عند الحاجة.[4]
ورغم أنّ حالات التعثر قد تحدث في أي بيئة إقراض، إلّا أنّ تموضع القروض في مرتبة متقدمة ضمن هيكلية رأس المال، إلى جانب المتابعة النشطة، ساهم تاريخياً في تحقيق معدلات استرداد أعلى مقارنة بالديون غير المضمونة أو تلك التي تفتقر إلى شروط رقابية صارمة.
وبالنظر إلى عام 2026، من المتوقع أن ترتفع معدلات التعثر تدريجياً في ظل تباين الأوضاع الاقتصادية بين القطاعات والمناطق.[5] ومع ذلك، يُرجّح أن تبقى هذه المعدلات دون متوسطاتها التاريخية طويلة الأجل.[6]
في هذا السياق، يُتوقع أن تتسع الفجوة بين النتائج عبر مختلف استراتيجيات الائتمان الخاص. إذ ستؤدي الفروقات في هيكلة القروض، وانضباط معايير الاكتتاب، وبناء المحافظ إلى تباين أكبر في العوائد، ما يجعل الإطار الذي يُوظَّف من خلاله رأس المال أكثر أهمية من أي وقت مضى.
أهمية الوصول إلى الفرص واختيار الشريك
على الرغم من نمو الائتمان الخاص، لا يزال من الصعب الوصول إليه بشكلٍ مباشر.
يُمكن الوصول إلى العديد من الفرص الجذابة للإقراض عبر علاقات طويلة الأمد وشبكات خاصة. كما أنّ جودة الصفقات ومرونة المقترضين ومستوى الحماية في حال الهبوط تختلف بشكلٍ كبير بين مدير وآخر، ما يؤدي إلى تفاوت ملحوظ في النتائج.
بالنسبة للمستثمرين، يبقى التنويع عبر المقترضين والقطاعات واستراتيجيات الإقراض أمراً أساسياً، إلى جانب الاختيار الدقيق لمديري الاستثمار.
في The Family Office، ننظر إلى الائتمان الخاص باعتباره جزءً من استراتيجية أشمل للمحافظ. تُجمع رؤوس أموال العملاء للوصول إلى مديري ائتمان متمرّسين يركزون على الانضباط في الاكتتاب وبناء هيكليات حماية قوية. والهدف ليس فقط تحقيق العوائد، بل تحقيقها بدرجة من الاتساق عبر مختلف الدورات الاقتصادية.
الدخل في مشهد استثماري متغيّر
مع دخول عام 2026، يبقى الدخل أحد المتطلبات الأساسية في بناء المحافظ. ويستمر دور الدخل الثابت من الأصول المدرجة، إلا أنّ سلوكه أصبح أقل قابلية للتنبؤ خلال فترات التقلب.
يتيح الائتمان الخاص نهجاً مختلفاً. إذ يعتمد الدخل غالباً على تدفقات نقدية تعاقدية ومكانة متقدمة في هيكلية رأس المال، بينما يعكس نموه المستمر تحولات دائمة في آليات تمويل الشركات، لا مجرد اختلالات ظرفية في الأسواق.
المسألة هنا لا تتعلق بتوقع مسار أسعار الفائدة أو توقيت الدورة الاقتصادية، بل بمواءمة المحافظ مع واقع آليات التمويل اليوم.
في The Family Office، نعمل مع المستثمرين على التوزيع في الائتمان الخاص لتوليد دخلٍ مستقر، ضمن إطار منضبط لإدارة المخاطر. وفي بيئة استثمارية أكثر تعقيداً، أصبح الائتمان الخاص مكوّناً أساسياً في بناء المحافظ الحديثة.
