هل يعني ذلك الدخول في فترة من الهدوء؟ ليس تماماً، فمثّل الاجتماع بداية حقبة جديدة تحت قيادة الرئيس كيفن وارش، كما شكّل نهايةً واضحةً للتوقعات بشأن مرحلة من التيسير النقدي المستمر.
اجتماع يونيو
تماشياً مع نيّة الرئيس وارش المعلنة لإحداث "تغيير في النظام"، جاء بيان اجتماع يونيو مقتضباً بشكل متعمّد (إذ بلغ 130 كلمة فقط، أي أقلّ من نصف الطول المعتاد للبيان)، كما خلا بشكل لافت من أيّ "توجيهات مستقبليّة".[1]
أعاد وارش التأكيد على التزام الفدرالي باستقرار الأسعار خلال المؤتمر الصحفي. ساهم ذلك، من بين أمور أخرى، في معالجة المخاوف من احتمال سعيه إلى التقليل من أهميّة مسألة ارتفاع التضخم بهدف تمهيد الطريق أمام تخفيض سريع لأسعار الفائدة.[2]
وتُظهر التوقعات الاقتصاديّة الصادرة بالتزامن مع البيان احتمال تسجيل أسعار الفائدة نسبة 3,8% بحلول نهاية العام، مقارنةً بنسبة 3,4% في مارس. كما يُتوقع أن يظلّ التضخم مرتفعاً نسبيّاً عند 3,6%، مع تسجيل نموّ اقتصادي معتدل بنحو 2,2%.[3]
البيانات
تشير أحدث البيانات الصادرة كلّها إلى ترسيخ التحوّل في التوجهات (الذي أصبح شبه مكتمل) من توقّعات تخفيض أسعار الفائدة إلى احتماليّة زيادتها.[4] فواصل المؤشر الأساسي لأسعار المستهلكين مساره الصعودي، مرتفعاً من 2,5% في فبراير إلى 2,9% في مايو،[5] في حين ارتفع التضخم الأساسي في مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي وهو المقياس المفضّل لدى الفدرالي من 3% إلى 3,4% خلال الفترة نفسها.[6] وتتوقّع Goldman Sachs أن تؤدي مجموعةً من العوامل، تشمل أسعار الطاقة والذكاء الاصطناعي والتعرفات الجمركيّة، إلى إبقاء التضخم (وأسعار الفائدة) فوق مستوى 3% خلال ما تبقى من العام.[7]
أما بالنسبة إلى سوق العمل، فرغم أنّ النموّ يبدو في حالة تباطؤ، اتّجهت معدلات البطالة إلى الانخفاض وفق أحدث إصدار، من 4,3% إلى 4,2%.[8] وما زال الاقتصاد بوضع جيّد، مع تسجيل نموّ سنوي في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 2,1%.[9]
ومع استقرار الصراع في إيران والتداعيات الناتجة عن التعرفات الجمركيّة، يمكن القول إنّ هناك مبرر للاعتقاد بأنّ التضخم قد يتوقّف عن الارتفاع خلال الفترة المقبلة. وفي الوقت الحالي، تبقى الأسواق ذات توجه متشدّد، إذ تراهن على زيادة أسعار الفائدة في سبتمبر.[10]
تأثير وارش
في البداية، نشأت مخاوف من أنّ وارش هو تعيين سياسي جرى اختياره بهدف تخفيض في أسعار الفائدة. إلّا أنّه، رغم حرصه على تحييد هذا الاتّهام، لم يُضِع وقتاً في طرح رؤيته لما يُعدّ عمليّاً مرحلةً من الإصلاح داخل الفدرالي.
وبعيداً عن الانقسام التقليدي بين المواقف المتشدّدة والمتساهلة، يتمثّل موقفه في أنّ قدرة الفدرالي تكمن في التأثير على المسار المستقبلي للتضخم، وليس في متابعة الاتّجاهات قصيرة الأجل، التي غالباً ما تحظى بالتركيز في التغطيات الإعلاميّة. كما يبدو أن جدول أعماله شامل، إذ يضمّ إنشاء ما لا يقلّ عن خمسة فرق عمل جديدة، يركّز كلّ منها على جانب مختلف من مهام الفدرالي.[11]
ويتمثّل أحد هذه الجوانب في كيفيّة قياس التضخم نفسه، فطرح وارش فكرة تفضيل استخدام مقياس الوسيط أو المتوسّط "المقلّص" للتضخم في مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي على المقياس الأساسي التقليدي كونه أقلّ عرضة للتشوّهات.[12]
يُظهر الجدول أدناه تأثير استخدام مقاييس مختلفة. وكما يتّضح، يُظهر "المتوسّط المقلّص" للتضخم مستوى أقرب بكثير إلى مستوى 2% المُتسهدف مقارنة بالمقاييس التقليديّة الأكثر شمولاً.
المصدر: جايسن فورمان، "التضخم المكافئ لمؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي لمايو 2026، بالمعدل السنوي" على X (Twitter سابقاً)، في 26 يونيو 2026. متاح على: https://x.com/jasonfurman/status/2070174516513226840/photo/1
المصدر: الفدرالي في سانت لويس
الخلاصة
تشمل الجوانب الأخرى لإصلاحات وارش طريقة تواصل الفدرالي (مثل مستقبل "المخطط النقطي" وآليّات التوجيه المستقبلي الأخرى)، وكيفيّة حصوله على البيانات وتعامله معها. هذا إلى جانب المسألة التي غالباً ما تُغفل والمُتمثلة في الميزانيّة العموميّة للفدرالي، وتُعدّ بالغة الأهميّة ولا تحمل حلولاً سهلة.
وما زال المسار الذي سيتّخذه الفدرالي تحت قيادة وارش غير واضح حتى الآن، ولكن يبدو أنّ تغييرات جوهريّة تلوح في الأفق. وكما هو الحال في كثير من الأحيان، لا تكمن "القيمة الحقيقيّة" في قرارات أسعار الفائدة بحدّ ذاتها، بل في الأفكار والتحليلات التي تشكّل هذه القرارات. وسواء كانت هذه التغييرات صائبة أم لا، فمن المرجح أن تتيح حقبة وارش للمستثمرين مادة ثريّة للتفكير، وربما ذات جودة أعلى.
[1] الاحتياطي الفدرالي في الولايات المتّحدة
[2] الاحتياطي الفدرالي في الولايات المتّحدة
