اجتماع يوليو
في حين أصبح من المعتاد أن يعارض بعض أعضاء الفدرالي قرارات اللّجنة،[2] شهد اجتماع يوليو أوّل تصويت معارض ثلاثي موحّد منذ عام 2016، حيث صوّت ثلاثة رؤساء لصالح زيادة أسعار الفائدة.[3]
ويُظهر محضر الاجتماع أنّ المخاوف بشأن التضخم لم تقتصر على الأعضاء الثلاثة المعارضين، إذ رأى "الكثير" من المشاركين أنّ زيادة أسعار الفائدة قد يكون ضروريّاً إذا لم يتراجع التضخم.[4] وفي ذلك الوقت، سجّل أحدث إصدار من مؤشر النفقات الأساسيّة للاستهلاك الشخصي 3,4% لمايو،[5] وهو مستوى أعلى بكثير من النسبة المستهدفة البالغة 2%.
وفي المؤتمر الصحفي الذي أعقب القرار، أكد رئيس الفدرالي كيفن وارش عدم وجود "هدف مرن للتضخم"،[6] وذلك رداً على مخاوف الأسواق من أن يكون الفدرالي قرّر ضمنيّاً تقبّل مستويات أعلى من التضخم بهدف دعم النموّ الاقتصادي.
المتشدّدون مقابل المتساهلون
بعد تسعة أيام، أي في 7 أغسطس، بدا أنّ سوق العمل بدأ يضعف، إذ أصبح عدد الوظائف لشهر يوليو سلبيّاً (-23,000)،[7] كما وصل نموّ الأجور إلى أدنى مستوى له خلال خمس سنوات.[8] وبعد خمسة أيام، تراجع التضخم في المؤشر الأساسي لأسعار المستهلكين إلى 2,5%،[9] وسجّلت بعد يومين مبيعات التجزئة في يوليو أسوأ أداء شهري لها منذ مايو من العام السابق.[10]
أدّت هذه السلسلة من البيانات الداعمة لموقف المتساهلين والتي بدت جميعها وكأنها تشير إلى تباطؤ الاقتصاد وتراجع التضخم في المستقبل، إلى تغيير الأسواق لتوقعاتها بشأن احتمال زيادة أسعار الفائدة في سبتمبر، حيث انخفض الاحتمال إلى نحو 30% بحلول منتصف أغسطس.[11]
لكن أظهرت قراءة مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي لشهر يوليو الذي يُعدّ أكثر أهميّة من مؤشر أسعار المستهلكين والتي صدرت في 26 أغسطس استقرار التضخم الأساسي على أساس سنوي وتسارعه على أساس شهري.[12] وفي صباح اليوم نفسه، أظهر التقدير الثاني للناتج المحلي الإجمالي للربع الثاني نموّاً قويّاً في المبيعات النهائيّة الحقيقيّة للمشترين المحليّين من القطاع الخاص بنسبة 4,2%، ممّا عاكس التوقعات السلبيّة على ما يبدو بشأن الناتج المحلي الإجمالي.
في ظل هذه الخلفيّة المتغيّرة، ألقى كيفن وارش أول خطاب له في منتدى جاكسون هول بصفته رئيساً للفدرالي.
جاكسون هول
تناول الخطاب مواضيعاً كثيرةً، بدءاً من الاقتصاد وصولاً إلى الذكاء الاصطناعي.[13] وفيما يتعلق بموضوعي التوظيف والتضخم، فُسّر خطابه بشكل عام على أنه يميل بوضوح نحو موقف المتشدّدين، إذ وصف سوق العمل بأنه "يتماشى مع حالة التوظيف الكامل"،[14] وأكد أن "التركيز الأساسي للفدرالي في الوقت الحالي ينبغي أن ينصبّ على الأسعار".
كما حرص على إعادة التأكيد على معارضته لوجود فدرالي "صاخب"، أي حالة يتوقع فيها السوق أن يواصل الفدرالي التواصل بشكل مستمر بشأن خطواته المستقبليّة أو ردود أفعاله المحتملة. ويتماشى ذلك مع اقتراحه الوارد في محضر اجتماع يوليو بخفض عدد اجتماعات اللّجنة الفدراليّة للسوق المفتوحة من ثمانية إلى ستة اجتماعات سنويّاً.
وقد أدّى هذا الخطاب، إلى جانب البيانات المتعارضة التي صدرت خلال الأيام القليلة السابقة، إلى عودة توقعات الأسواق مرة أخرى نحو احتمال زيادة أسعار الفائدة في سبتمبر.
الخلاصة
رغم أنّ خطاب الرئيس وارش لم يكن طويلاً على نحو غير معتاد، لكنّه كان حافلاً بالأفكار، ويستحق القراءة للحصول على تقييم دقيق لمضمونه.
تمثّل الموضوع الفلسفي الأساسي في الخطاب، وربما يكون أكثر أهميّة من التداعيات قصيرة الأجل على قرار أسعار الفائدة في سبتمبر، في ضرورة التحلّي بالمرونة في مواجهة حالة عدم اليقين الأساسيّة التي تميّز الأسواق. كما أشار وارش: "غالباً ما نشهد خلطاً بين أخبار الأمس وما يحدث فعليّاً في الوقت الراهن". ويتّضح ذلك من الرسم البياني لمعنويات السوق أعلاه، الذي يعكس تقلّباً كبيراً في التوقعات داخل اقتصاد لم يتغيّر تقريباً طوال تلك الفترة.
وما زالت استنتاجات الفدرالي النهائيّة قيد الانتظار، فأشار الرئيس وارش إلى أنّ صانعي السياسات يعتزمون انتظار تقرير الوظائف لشهر أغسطس وبيانات التضخم، المقرر صدورهما قبل اجتماع سبتمبر، قبل تكوين صورة كاملة. أما سوق السندات فتحرّك بوتيرة أسرع، إذ ارتفع عائد سندات الخزينة لأجل سنتين خلال الفترة نفسها، مسعّراً احتمال زيادة أسعار الفائدة قبل صدور تلك البيانات، ومتوافقاً إلى حد كبير مع عودة التوقعات نحو الزيادة كما يظهر في الرسم البياني.
ولا يعني ذلك اتّباع موقف سلبي أو الانتظار من دون تحرّك، فعلى سبيل المثال، سلّط الخطاب الضوء على الذكاء الاصطناعي باعتباره عاملاً محتملاً جديداً من عوامل الإنتاج، وقد يشكّل تحوّلاً جذريّاً في علم الاقتصاد. وقد لا يكون واضحاً على المدى القصير ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى زيادة التضخم أو خفضه، إلّا أنّ فهم إمكاناته بشكل صحيح في مرحلة مبكرة يساعد المستثمر على التركيز على الصورة الأكبر بدلاً من الضياع في التفاصيل.
[1] الاحتياطي الفدرالي في الولايات المتّحدة
[4] الاحتياطي الفدرالي في الولايات المتّحدة
[5] مكتب التحليل الاقتصادي (جرى تعديل صعوديّاً لاحقاً)
[6] الاحتياطي الفدرالي في الولايات المتّحدة
