ومع استمرار نهج "الانتظار والترقّب"، تبدو العوامل المؤثّرة في ذلك أكثر تعقيداً من ذي قبل، في ظلّ بيئة جيوسياسيّة ما زالت تتّسم بالغموض. نستعرض فيما يلي ما هو معلوم وما يظلّ مجهولاً، والأهمّ من ذلك، ما نحتاج إلى معرفته.
المشهد في مارس
أظهرت البيانات في منتصف مارس أنّ اقتصاد الولايات المتّحدة مستقرّ، وأنّ الإنفاق الاستهلاكي قويّ[1] رغم حالة عدم اليقين المستمرّة في سوق العمل.[2] وفي الوقت ذاته، بدأ التضخم يرتفع تدريجيّاً، مع ارتفاع مؤشر النفقات الأساسيّة للاستهلاك الشخصي لشهر يناير إلى 3,1%،[3] وهو المقياس المفضّل لدى الاحتياطي الفدرالي.
وكشفت التوقعات المُحدَّثة للفدرالي عن ارتفاع في كلّ من النموّ والتضخم خلال العام الجاري، فضلاً عن ارتفاع أسعار الفائدة المُحايدة إلى 3,1%.[4] غير أنّ رئيس الفدرالي جيروم باول أشار في مؤتمره الصحفي إلى أنّه "لو كان الفدرالي سيتخطّى ملخّص التوقعات الاقتصادية يوماً ما، لكان هذا هو الوقت المناسب، إذ إنّنا ببساطة لا نعلم."
وعزا باول جزئيّاً ارتفاع أرقام التضخم إلى التداعيات المُستمرّة للتعرفات الجمركيّة. بيد أنّ شبح النزاع بين الولايات المتّحدة وإيران الذي اندلع قبل بضعة أسابيع في 28 فبراير كان يخيّم بثقله على خلفيّة المشهد.[5] كما يكشف محضر الاجتماع الصادر حديثاً عن ميل عدد متزايد من أعضاء اللّجنة نحو التشدّد في ظلّ توقّف التقدّم، ممّا يوحي بأنّ زيادة أسعار الفائدة قد تكون خياراً مطروحاً على الطاولة في المدى القريب.[6]
وأعرب باول في بيانه الصحفي عن رأيه بأنّ صدمات الأسعار التي تشمل تأثير التعرفات الجمركيّة وقيود إمدادات النفط تُعتبر في العادة عاملاً مؤقتاً، وأضاف أنّه في ظلّ ما شهدته الولايات المتّحدة من تضخم يتجاوز النسبة المُستهدفة على مدى خمس سنوات، فإنّ تجاهل هذه العوامل ببساطة أمر غير مستحسن.[7]
تستمرّ القصة
المأزق الذي يجد الفدرالي نفسه فيه بدأ في العام الماضي، ويتكوّن من مجموعة من القوى المُعاكسة، إذ يشير سوق العمل غير المُستقرّ إلى ضرورة تخفيض أسعار الفائدة، في حين يجعل التضخم الثابت الفدرالي حذراً من الإعلان المُبكر عن الانتصار.
وتستمرّ البيانات بالصدور، إذ جاءت بيانات الوظائف لمارس (+ 178 ألف وظيفة) لتعكس تماماً التراجع المفاجئ في فبراير (- 133 ألف وظيفة). غير أنّ المتوسط الممتدّ على ثلاثة أشهر يُظهر ارتفاعاً أكثر اعتدالاً بمقدار 68333 وهو مستوى جيّد بما يكفي للحفاظ على استقرار سوق العمل.[8]
وجاء مؤشر النفقات الأساسيّة للاستهلاك الشخصي عند 3% لفبراير، وهو أدنى من يناير، إلّا أنّه ما زال يتجاوز النسبة المُستهدفة بنقطة مئويّة كاملة.[9] وفي حين ارتفع المؤشر الكُلّي لأسعار المستهلكين لمارس من 2,4% إلى 3,3% انعكاساً للارتفاع الحادّ في أسعار الوقود جرّاء إغلاق مضيق هرمز، سجّل المؤشر الأساسي لأسعار المستهلكين ارتفاعاً طفيفاً من 2,5% إلى 2,6%.[10]
وبينما يأمل كثيرون، بمن في ذلك باول، أن تكون تداعيات التعرفات الجمركيّة واضطرابات إمدادات النفط مؤقتةً، يبقى التساؤل قائماً حول المدى الزمني الذي قد يستغرقه النزاع مع إيران. وتُشير نماذج الفدرالي ذاتها إلى أنّ الضغط التصاعدي المستدام على أسعار النفط قد يُضيف ثقلاً ملموساً إلى التضخم.[11]
وفي هذا الإطار، أشار مسؤول الفدرالي باركن في كلمة حديثة إلى أنّ المقارنة بأزمة النفط في سبعينيّات القرن الماضي خاطئة، بما أنّ الولايات المتّحدة أصبحت اليوم دولةً مُصدِّرةً صافيةً للنفط. مع ذلك، التضخم في جوهره نتاج عوامل نفسيّة بقدر ما هو رهين قوى السوق العقلانيّة.
تسود حاليّاً موجةً من التشاؤم في الأسواق حيال احتمالات تخفيض أسعار الفائدة. وفي حين ما زال الفدرالي يُرجّح تخفيضها مرّة إضافيّة خلال العام الجاري، إلّا أنّ التوافق السائد في الأسواق يُؤجّل الحركة الهبوطيّة القادمة إلى منتصف عام 2027.
الخلاصة
يُمثّل الوضع الراهن كابوساً تحليليّاً حقيقيّاً؛ من جهة، ثمة من البيانات ما يكفي لانتقاء ما يدعم أيّ استنتاج يرغب المرء في التوصّل إليه، ومن جهة أخرى، ثمة من عدم الاستقرار ما يكفي لقلب أكثر التحليلات تعقيداً وتفصيلاً رأساً على عقب في غضون ساعات.
في مثل هذه الظروف، قد يكون تضييق نطاق التركيز أجدى نفعاً. وفيما يخصّ الفدرالي، كان التضخم حتى الآن هو البوصلة الموجِّهة، وما دام باول يمسك بزمام القرار، فمن المُرجّح أن يظلّ الأمر على هذا النحو.[12]
غير أنّ توسيع نطاق التركيز لا يقلّ أهميّة، إذ تظلّ القضايا الأشمل، كتأثير الذكاء الاصطناعي على الإنتاجيّة والاستدامة طويلة الأجل للدين الوطني في الولايات المتّحدة، القوى الأكثر تأثيراً في تشكيل ملامح الاقتصاد والمحفظة الاستثماريّة.
لا يمكن الوصول إلى الإشارة الحقيقيّة إلّا بتجاوز الضجيج.
[4] الاحتياطي الفدرالي في الولايات المتّحدة
[5] الاحتياطي الفدرالي في الولايات المتّحدة
[6] الاحتياطي الفدرالي في الولايات المتّحدة
[7] الاحتياطي الفدرالي في الولايات المتّحدة
