غير أنّ ما يجري في العمق مختلف تماماً؛ فيُصعّب تولّي رئيس جديد لقيادة الفدرالي وارتفاع التضخم واستمرار عدم الاستقرار في أسعار الطاقة العالميّة التمييز بين الإشارات الحقيقيّة والضوضاء، ويحول دون استخلاص استنتاجات بعيدة المدى. وهذه الإشكالية المتجذّرة هي ما نسعى إلى معالجته في هذا المقال.
الاجتماع الأخير
خيّمت على اجتماع اللّجنة في أبريل بيانات تُشير إلى تضخم متشبث وعدم يقين مستمر في سوق العمل. وكان هذا القرار الأوّل من نوعه منذ عام 1992 الذي يشهد أربعة أصوات معارضة، وإن كان المعارضون أنفسهم منقسمين في توجهاتهم بين التساهل والتشدّد.[1]
وقد تمحور الخلاف الرئيسي، على ما يبدو، حول صياغة التوجيه المستقبلي للفدرالي، الذي أبقى على إشارة ضمنيّة بأنّ التيسير النقدي ما زال وارد.[2] وبحسب محضر الاجتماع، اتّفقت "غالبيّة المشاركين" على أنّ تشديد السياسة النقديّة قد يصبح ملائماً في حال بقي التضخم مرتفعاً فوق النسبة المُستهدفة البالغة 2%.[3]
وجاءت البيانات الصادرة عقب الاجتماع لتؤكد أنّ كلا مؤشري التضخم، أي مؤشر أسعار المستهلكين ومؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي، في ارتفاع، حتى بعد استبعاد تكاليف الطاقة. وفسّر السوق ذلك على أنّه مؤشر على عدم تخفيض أسعار الفائدة حتّى نهاية العام.[4]
البيانات
رغم أنّ البيانات غير مُرحَّب بها، لا تُشير أيٌّ منها إلى مشكلة حادة، لا سيما إذا أخذنا في الاعتبار السياق الجيوسياسي والمسارات التاريخيّة. صحيح أنّ التضخم في مسار تصاعدي، غير أنّ ذلك ليس مفاجئاً في ظل تضافر التعرفات الجمركيّة المستمرة وعدم اليقين في أسعار النفط.
وفي المنظور الأشمل، ما زال التضخم منخفضاً نسبيّاً، وكذلك نسبة البطالة.

المصدر: بنك الاحتياطي الفدرالي في سانت لويس
المصدر: بنك الاحتياطي الفدرالي في سانت لويس
ينبع هذا التوتر في معظمه من احتمال أن تترتّب تداعيات حادة، كالركود أو ارتفاع فعلي للتضخم، بالإضافة إلى الصخب السياسي المحيط برحيل الرئيس السابق جيروم باول وتولّي خلفه الرئيس كيفن وارش، الذي جرى تأكيد تعيينه في 13 مايو.
الرئيس الجديد
يُمثّل الرئيس وارش تحدياً على الأسواق استيعابه؛ تختلف فلسفته عن فلسفة باول في كثير من النواحي، فهو معارض متجذّر للتيسير الكمّي ويدعو إلى تقليص الميزانيّة العموميّة للفدرالي، ما يُعدّ إجراءً بالغ الأثر على البنوك والشركات التي تُقرضها.[5]
كما يجعله إيمانه الراسخ بإمكانات الذكاء الاصطناعي في تعزيز الإنتاجيّة الأمريكيّة أكثر انفتاحاً على تخفيض أسعار الفائدة،[6] فنموّ الإنتاجيّة كابح طبيعي للتضخم، إذ يُقلّص حجم العمالة اللّازمة لكلّ وحدة إنتاج. وبالتالي، لا تؤدّي المحدودويّة الزائدة لسوق العمل إلى ارتفاع التضخم.
الخلاصة
تركّز كثير من التعليقات على البُعد السياسي للوضع الراهن، كقرار باول البقاء في منصب المحافظ، أو استهجان وارش المُعلَن لمسؤولي الفدرالي الذين "يتحدثون كثيراً"، وما يكنّه عموماً من نفور تجاه التوجيه المستقبلي.[7] غير أنّ تداعيات ذلك ليست مجهولة العواقب فحسب، بل "صاخبة"، أي يُرجَّح ألّا تحمل أهميّة كبيرة بعد عام من الآن.
أما مسألة الإنتاجيّة وما تعنيه للاقتصاد وأسعار الفائدة ودين الولايات المتّحدة، فهي ربما أكثر المسائل المطروحة قرباً من "الإشارة الحقيقيّة".
في التسعينيّات، ساد قلق واسع من أنّ الاقتصاد يعمل فوق طاقته وأنّ زيادة أسعار الفائدة أصبح ضرورة. فاستمع رئيس الفدرالي آلان غرينسبان إلى الحجج القائلة بأنّ التحسينات في الإنتاجيّة بقيادة التكنولوجيا ستُعوّض محدودويّة سوق العمل بأكثر ممّا يكفي. وقد أثبتت الأيام صواب موقفه. [8]
يرى بعضهم، ومنهم الرئيس وارش، أنّنا نقف على أعتاب حقبة جديدة تُضاهي ثورة الإنترنت في أواخر التسعينيّات، بفضل توطّن الذكاء الاصطناعي في حياتنا الشخصيّة والمهنيّة.
وحتى إن لم يتحقق ذلك بالسرعة أو الحدة التي يُدّعى بها، فإنّ الانفتاح على احتمال حدوث اضطراب، لا سيّما إيجابي، يُعدّ دفاعاً جوهريّاً في مواجهة الإبقاء على تخصيصات تعكس حقبة مضت، في حين أصبحت الحقبة الجديدة على الأبواب.
