سيناريو "الوضع الجيد"
رغم تعقيد التوقعات الاقتصادية الكلية، طرح الدكتور بساط رؤية إيجابية، معتبراً أنّ احتمال وصول الاقتصاد العالمي إلى "وضع جيد" في عام 2026 يتجاوز 50 في المائة. ويستند هذا التقييم إلى مجموعة من العوامل الداعمة التي تصب في مصلحة الاقتصادات الصغيرة والمنفتحة.
يتجه النظام العالمي نحو بيئة تتسم بتحسن السيولة وتراجع تدريجي في أسعار الفائدة، من دون عودة قوية للضغوط التضخمية. وفي الوقت ذاته، يسهم التراجع التدريجي في قيمة الدولار الأمريكي في تعزيز القدرة التنافسية للاقتصادات المرتبطة به. ويرى الدكتور بساط أنّ هذا التراجع يُعد إعادة توازن دورية بعد فترة طويلة من قوة العملة الأمريكية، وليس بداية لانحدار هيكلي طويل الأمد.
كما أنّ انخفاض أسعار الطاقة يدعم الاستهلاك والاستثمار عالمياً. أما في ما يتعلق بالتجارة الدولية، فقد أثبتت مرونة أكبر مما توقع كثيرون خلال فترات الاضطراب المرتبطة بالرسوم الجمركية. لم تنهَر سلاسل التجارة، بل أعادت تشكيل نفسها. ونشهد اليوم تحوّلاً في مراكز التصنيع وزخم الصادرات نحو أسواق ناشئة جديدة، أبرزها المكسيك والهند وفيتنام وبنغلادش.
إضافة إلى ذلك، يمثل الاستثمار المستمر المرتبط بتقنيات الذكاء الاصطناعي عاملاً هيكلياً مهماً. فالاقتصادات الناشئة القادرة على استيعاب التكنولوجيا بكفاءة قد تتمكن من رفع إنتاجيتها وتعزيز إمكاناتها للنمو على المدى الطويل.
ثورة في السياسات الاقتصادية
صحيح أنّ الأسواق الناشئة استفادت من هذه العوامل الخارجية، إلا أنّ متانتها الحالية لا تعود إلى الحظ وحده. فالعوامل الخارجية لا تكفي لتفسير قدرتها على الصمود. وأشار الدكتور بساط إلى تحول هيكلي أعمق قد لا يكون منعكساً بالكامل في تسعير الأسواق بعد.
خلال العقد الماضي، شهدت السياسات الاقتصادية في العديد من الدول الناشئة تحسناً ملموساً. أصبحت السياسات النقدية أكثر مصداقية، وتعززت أدوات ضبط التضخم، وبرز انضباط مالي أوضح، مع خفض أعباء الدين في عدد من الحالات، وتطور في قوة المؤسسات. هذا النضج في السياسات مكّن هذه الاقتصادات من التعامل مع صدمات ما بعد الجائحة، والتوترات التجارية، والتقلبات الجيوسياسية بثبات أكبر مما كان متوقعاً. قبل عامين فقط، لم يكن كثيرون يتوقعون أن تتمكن الأسواق الناشئة من استيعاب التشديد النقدي العالمي وحالة التجزئة الاقتصادية بهذه الكفاءة. إلا أنّ الواقع الاقتصادي والأسواق المالية أظهرا مرونة تجاوزت التقديرات.
معايير الاقتصادات الفائزة
في ظل إعادة تشكيل النظام العالمي، لن تتساوى جميع الأسواق الناشئة في الأداء. فرغم وضوح مظاهر الصمود، يظل التمييز بين الدول عاملاً حاسماً. وحدد الدكتور بساط أربعة معايير رئيسية قد تحدد الفائزين في البيئة العالمية الحالية.
أولاً، الحجم. الاقتصادات الكبرى مثل الهند وإندونيسيا تمتلك أسواقاً داخلية أعمق، ما يمنحها قدرة أكبر على امتصاص الصدمات الخارجية والحفاظ على قدر من الاستقلالية. ويوفّر هذا الحجم قاعدة صمود داخلية يصعب على الاقتصادات الأصغر حجماً محاكاتها أو تعويضها.
ثانياً، الحياد الجيوسياسي. الدول التي تنجح في إدارة علاقاتها الدولية من دون انحياز مفرط إلى محور معين باتت تجذب تدفقات رأسمالية أكثر تنوعاً. في عالم قد يفرض فيه الاصطفاف كلفة استراتيجية، أصبحت المرونة السياسية ميزة تنافسية. وتمثل السعودية والمكسيك والبرازيل والهند نماذج على هذا التوازن.
ثالثاً، قوة رأس المال. الاقتصادات التي تتمتع بميزانيات قوية ومدخرات محلية كافية تقل تبعيتها للتمويل الخارجي المتقلب. فكلما قلّ الاعتماد على الأسواق العالمية لتمويل التنمية، ازدادت القدرة على اتخاذ قرارات مستقلة.
رابعاً، القدرة على تبني التكنولوجيا بسرعة. استيعاب التقنيات الجديدة وتطبيقها يعزز النمو المحتمل على المدى الطويل. وهذه الميزة لا تتوزع بالتساوي بين المناطق، إذ قد تكون أكثر تحدياً في بعض دول أفريقيا، بينما تبرز بوضوح في جنوب أوروبا وشرقها وشمال آسيا.
ضمن هذا الإطار، تتوافق منطقة الخليج، ولا سيما المملكة العربية السعودية، مع هذه المعايير الأربعة بدرجة كبيرة. وخارج الخليج، أشار الدكتور بساط إلى المغرب كنموذج لتموضع ناجح، مستشهداً باندماجه في سلاسل الإمداد الأوروبية وتوسعه في صناعة السيارات.
كما عبّر عن رؤية إيجابية تجاه مصر. فعلى الرغم من التحديات الهيكلية واعتمادها المستمر على التمويل الخارجي، تمضي مصر في مسار إصلاحي وتستقطب تدفقات استثمارية جديدة، مستفيدة من قطاع السياحة وتحويلات العاملين في الخارج. وإذا تمكنت من تقليص اعتمادها على التمويل الخارجي تدريجياً، فقد يتحسن مسارها بشكل ملحوظ.
في المقابل، وصف تركيا بأنها في موقع وسط معقد؛ ليست في أزمة، لكنها تواجه تضخماً مستمراً وزخماً إصلاحياً أبطأ وقيوداً هيكلية تحد من تسارع تقدمها.
الدولار وقوة الارتباط به
وفي ما يتعلق بالدولار الأميركي، قدّم الدكتور بساط قراءة متوازنة. فهو يرى أنّ التراجع الحالي في قيمة الدولار ذو طبيعة دورية، لا هيكلية. فبعد نحو 25 عاماً من القوة النسبية التي ساهمت في اختلالات اقتصادية، يبدو التراجع الحالي أقرب إلى إعادة توازن.
لا يزال الدولار يتمتع بمزايا هيكلية، من بينها قوة النمو في الولايات المتحدة مقارنة باقتصادات متقدمة أخرى، وخصائص ديموغرافية أكثر ملاءمة، وعمق أسواق رأس المال الأميركية. وقد يشهد الدولار مزيداً من الضعف الدوري، إلا أن الحديث عن انهيار هيكلي يبدو مبالغاً فيه، إذ لا توجد عملة أخرى تجمع بين الحجم الاقتصادي والعمق المؤسسي والنفوذ الجيوسياسي ذاته.
وتطرق أيضاً إلى المقترحات المتعلقة بعملات بديلة، بما فيها المبادرات المرتبطة بتجمع بريكس. ورغم جاذبية الفكرة نظرياً، أشار إلى التحديات العملية في بناء إطار نقدي مشترك بين اقتصادات تختلف في هياكلها المالية ومؤسساتها وأوضاعها الاقتصادية.
وفي ظل متانة الدولار الأساسية، أعرب عن دعمه لسياسات ربط العملات المعتمدة في دول الخليج، معتبراً أنها وفرت استقراراً ومصداقية وانضباطاً في إدارة السياسات. كما أسهمت في تقليص مخاطر تقلبات أسعار الصرف وتعزيز الإدارة الاقتصادية الكلية. ومع تراجع الدولار، قد تستفيد اقتصادات الخليج من تحسن القدرة التنافسية وتعديل سعر الصرف الحقيقي. وبرأيه، لا توجد مبررات واضحة لتغيير هذا الإطار القائم.
انتقائية مدروسة في اقتناص الفرص
الخلاصة لا تتمثل في أن جميع الأسواق الناشئة ستتفوق. بل في أنّ هذه الأسواق بلغت مرحلة من النضج الهيكلي. تكمن الفرصة في تحديد الدول التي تجمع بين الحجم والتوازن الجيوسياسي وقوة رأس المال والمرونة التكنولوجية. في هذه البيئة، يصبح التخصيص الواسع أقل فاعلية من الاختيار المدروس.
في The Family Office، يستند نهجنا الاستثماري إلى هذه المقاربة المؤسسية الانتقائية. فمن خلال التركيز على الأسس الهيكلية بدلاً من التقلبات الدورية، نسعى إلى التعرض لاقتصادات تتسم بالمرونة وزخم الإصلاح وإمكانات خلق قيمة طويلة الأجل.
التعامل مع المشهد العالمي اليوم لا يقتصر على الاستجابة للتقلبات، بل يتطلب قراءة دقيقة لمواطن الصمود وتوجيه رأس المال وفقاً لها.
