وكما أشار عبد المحسن العمران، مؤسس The Family Office ورئيسها التنفيذي، فإنّ الاستثمار اليوم يشبه الإبحار في البحر. فالفرص واسعة، غير أنّ النجاح يعتمد على وضوح الرؤية والانضباط والقدرة على فهم التيارات العميقة للاقتصاد العالمي. وفي هذا السياق، قدّم الدكتور محمد العريان، رئيس مجلس إدارة Gramercy Fund Management، إطاراً لفهم الديناميكيات غير المعتادة التي تشكّل المشهد الاقتصادي العالمي.
وكانت رسالته الأساسية أنّ الاقتصاد العالمي يتجه نحو ما وصفه بـنظام جيو اقتصادي عالمي، حيث أصبحت النتائج الاقتصادية تتأثر بشكلٍ متزايد ليس فقط بقوى السوق التقليدية، بل أيضاً بالجغرافيا السياسية واعتبارات الأمن القومي والأولويات السياسية الداخلية.
مفارقة عام 2025
تنطلق الصورة من تناقضٍ واضح. فقد بدا العام الماضي شديد الاضطراب، إلا أنّ النتائج الاقتصادية ونتائج الأسواق كانت قوية.
شهدت الأسواق تدفقاً مستمراً من التطورات المرتبطة بالجغرافيا السياسية والسياسات الاقتصادية. فقد تصدّرت التوترات التجارية، والنقاشات حول الرسوم الجمركية، والتحالفات المتغيرة المشهد العالمي. وفي الوقت نفسه، بدأ التراجع في ركيزتَين كانت تعتمد عليهما المنظومة الاقتصادية العالمية: العولمة وإطار السياسات الذي يُشار إليه غالباً باسم "توافق واشنطن".
ورغم هذه الخلفية المضطربة، جاءت النتائج أفضل مما كان متوقعاً. فقد ظل النمو العالمي قوياً عند نحو 3,3%، واستمر الاقتصاد الأمريكي في التوسع بنسبة 2,4%، بينما سجّلت الأسواق الناشئة نمواً يقارب 4,4%. كما حققت الأسواق المالية أداءً قوياً، حيث ارتفعت الأسهم العالمية بنحو 21%.
وقد ساعدت قوتان رئيسيتان في تفسير هذا الصمود. الأولى كانت الارتفاع الكبير في الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، حيث سارعت الشركات والمستثمرون إلى زيادة الإنفاق الرأسمالي حول تقنيات الذكاء الاصطناعي. أما الثانية فتمثلت في قدرة الصين على إعادة توجيه تدفقات التجارة، من خلال توسيع صادراتها إلى أسواق أخرى حتى مع تراجع شحناتها إلى الولايات المتحدة.
وساعد هذان العاملان معاً في الحفاظ على زخم الاقتصاد رغم حالة عدم اليقين الأوسع المرتبطة بالجغرافيا السياسية والسياسات الاقتصادية.
الدخول في توزيع متعدد المسارات
بالنظر إلى عام 2026، تغيّرت بيئة التوقعات بشكلٍ مهم. فلم يعد الاقتصاد العالمي يبدو وكأنه يسير في مسار واحد مهيمن. بل أصبحت هناك عدة نتائج محتملة قائمة في الوقت نفسه.
ويصف الاقتصاديون هذا النوع من البيئات بأنّه "توزيع متعدد المسارات"، حيث تحمل السيناريوهات المختلفة احتمالات ذات معنى بدلاً من هيمنة نتيجة مركزية واحدة على التوقعات.
ويمثل السيناريو الأساسي، الذي يفترض استمرار الظروف الحالية، احتمالاً يقارب 50%. وإلى جانبه يظهر خطران جانبيّان محتملَين، لكل منهما نسبة حدوث تقارب 25%.
يرتكز السيناريو الإيجابي على تسارع وتوسّع تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي، ما قد يعزز الإنتاجية ويسمح للاقتصاد العالمي بالتعامل مع تحديات مثل مستويات الديون المرتفعة وتصاعد النزعة الحمائية والضغوط على البنوك المركزية.
أمّا السيناريو السلبي فيعكس خطر الركود التضخمي، حيث يتباطأ النمو الاقتصادي في الوقت الذي يرتفع فيه التضخم، ما يخلق بيئة صعبة لكل من صانعي السياسات والمستثمرين.
إنّ توزيعاً يحمل فيه السيناريو المركزي نصف الاحتمال فقط يُعد أمراً غير معتاد. ومع وجود نتائج إيجابية وسلبية ذات وزن كبير، يصبح عدم اليقين أكثر وضوحاً، ويصبح على المستثمرين الاستعداد لنطاق أوسع من الاحتمالات.
التقلّبات والتباين والتجزؤ
يرى العريان أنّ هذه البيئة ستقود إلى ثلاث سمات رئيسية للأسواق في الفترة المقبلة: التقلّبات، والتباين، والتجزؤ.
من المرجح أن يبقى التقلّب مرتفعاً، مع استجابة الأسواق للأخبار المتكررة، وغالباً المفاجئة، المرتبطة بالجغرافيا السياسية وسياسات التجارة والتطورات التكنولوجية والقرارات السياسية الداخلية. ويمكن لهذه التحركات السعرية الحادة المدفوعة بالأخبار أن توجه المستثمرين بسهولة نحو قرارات تفاعلية إذا لم تكن المحافظ الاستثمارية مُهيّأة بالشكل المناسب.
وتؤدي التقلّبات بدورها إلى زيادة التباين عبر الأسواق. فمع تباعد القرارات السياسية والتطورات الجيوسياسية والظروف الاقتصادية، من المرجح أن تتسع الفجوة بين الرابحين والخاسرين عبر الدول والقطاعات والشركات. وقد يصبح النمط الذي يصفه الاقتصاديون غالباً بأنه على "شكل K" أكثر وضوحاً، حيث تتسارع بعض أجزاء الاقتصاد بينما تتخلف أجزاء أخرى.
وفي الوقت نفسه، أصبح النظام الاقتصادي العالمي نفسه أكثر تجزؤاً. فالعلاقات التجارية يعاد تشكيلها، وسلاسل الإمداد تتغير، والاعتبارات الجيوسياسية تؤثر بشكلٍ متزايد في تدفقات الاستثمار.
وتعمل هذه القوى مجتمعة على إعادة تشكيل المشهد الاستثماري بطرق تتطلب مقاربة مختلفة لبناء المحافظ الاستثمارية.
تحوّل في مصادر العوائد
في بيئة تتسم بالتجزؤ والتقلّبات، تتغير أيضاً مصادر العوائد الاستثمارية.
خلال السنوات الأخيرة، استفاد العديد من المستثمرين من موضوعات هيكلية قوية، مثل الصعود السريع للذكاء الاصطناعي والتحول التكنولوجي. وقد ولّدت هذه الاتجاهات طويلة الأمد عوائد كبيرة عبر الأسواق.
لكن بالنظر إلى المستقبل، قد تلعب هذه الموضوعات الهيكلية دوراً أقل هيمنة في دفع العوائد. وبدلاً من ذلك، من المرجح أن يزداد تأثير مصدرين آخرين للعوائد.
المصدر الأول يأتي من الفرص الهيكلية، حيث يحصل المستثمرون على عوائد مقابل معالجة فجوات أو أوجه قصور في الأسواق. ويُعد الائتمان الخاص في الأسواق الناشئة مثالاً على هذه الديناميكية. فالعديد من الاقتصادات الناشئة اليوم تقف عند مرحلة كانت فيها الأسواق المتقدمة قبل أكثر من عقد، حيث تسعى شركات قوية إلى التمويل بينما يتراجع المقرضون التقليديون. ويمكن لتوفير رأس المال في مثل هذه الحالات أن يحقق عوائد جذابة مع دعم تطوير منظومات رأس المال المحلية.
أما المصدر الثاني فيأتي من الاستثمارات الانتهازية. ففترات التقلّب غالباً ما تخلق اختلالات مؤقتة، حيث تتحرك أسعار الأصول بعيداً عن أساسياتها. ويمكن للمستثمرين الذين يمتلكون السيولة والمرونة التدخل لاقتناص فرص جذابة.
وبالتالي قد تجمع المحافظ الاستثمارية بشكلٍ متزايد بين الفرص الهيكلية والمرونة اللازمة لاقتناص الاستثمارات الانتهازية عندما تتجاوز الأسواق مستوياتها الأساسية.
أهمية التنفيذ
في عالم تصبح فيه النتائج أقل قابلية للتنبؤ، يعتمد نجاح الاستثمار بدرجة أقل على التنبؤ الدقيق بالمستقبل، وبدرجة أكبر على القدرة على التنفيذ بفعالية عبر سيناريوهات متعددة.
وقد شدّد العريان على ثلاث خصائص تصبح أساسية في مثل هذه البيئة.
المرونة تضمن أن تبقى الأخطاء ضمن حدود يمكن التعامل معها بدلاً من أن تكون كارثية، ما يسمح للمحافظ الاستثمارية بالتعافي من النتائج غير المتوقعة.
الخيارات المتاحة تتطلب الحفاظ على قدر من المرونة والانفتاح الذهني، مع إدراك أنّ الاقتصاد العالمي يتطور بطرق لا يمكن التنبؤ بها دائماً.
القدرة على التكيّف تمكّن المستثمرين من التحرك بسرعة عندما تظهر الفرص، لا سيما خلال فترات اختلال الأسواق.
ولا تقل أهمية عن ذلك منهجية التخطيط للسيناريوهات. إذ ينبغي على المستثمرين التفكير مسبقاً في عدة نتائج محتملة، وتحديد كيفية استجابة المحافظ الاستثمارية لكل سيناريو قبل أن تفرض الأسواق قرارات تحت الضغط.
وفي بيئة تتسم بالتقلّب والتباين، تصبح القدرة على تحديد الفرص المناسبة معتمدة بشكل متزايد على اختيار المديرين الاستثماريين. فمع اتساع الفجوات بين الرابحين والخاسرين عبر القطاعات والأسواق، يصبح اختيار المديرين الذين يتمتعون بخبرة قوية ومنهجيات منضبطة والقدرة على التعامل مع البيئات المعقدة عاملاً أساسياً في نتائج الاستثمار.
مواجهة المسار القادم
يمرّ الاقتصاد العالمي بمرحلة انتقالية معقدة. فالتحولات الجيوسياسية والتطور التكنولوجي وتغير أولويات السياسات تعيد تشكيل المشهد الاستثماري.
وبالنسبة للمستثمرين، لا يتمثل التحدي ببساطة في التنبؤ بوجهة الاقتصاد العالمي. وكما أشار العريان، يبدو أن العالم يسير في رحلة مليئة بالتقلبات نحو نتيجة لا تزال غير مؤكدة.
والاستعداد لهذه الرحلة يتطلب محافظ استثمارية مبنية على المرونة والخيارات المتاحة والقدرة على التكيف، مدعومة بتنفيذ منضبط واختيار مدروس للمديرين الاستثماريين.
وفي عالم يتسم بالتقلّبات والتباين والتجزؤ، قد تكون هذه المبادئ أساسية لمواجهة الأسواق العالمية.
